مواضيع اسلامية و رمضانية للاستفادة العامة في طوال العام و خصوصا في رمضان

بحث

السبت، مارس 23، 2013

عناية الإسلام بالأسرة

إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ( [آل عمران:102]، )يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا[ [النساء:1]، )يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما( [الأحزاب:70-71].
إن الأسرة هي نواة الأمة، وحجر الزاوية في بناء المجتمع؛ ومن معين الفطرة وأصل الخلقة ينبثق نظامها؛ قال الله جل جلاله: )ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ( [الذاريات:49]، وفي ظلها تنشأ محاضن الأجيال، وتربو مصانع الأبطال، وفي ذراها تنمو مشاعر المودة والرحمة، والسكينة والألفة، وترفرف رايات السعادة والهناء؛ لتبلغ معارج المجد ومنازل العلياء؛ لذا فقد أولاها الإسلام عناية فائقة، ورعاها رعاية خاصة، وحفها بالأحكام والوصايا، والآداب والتوجيهات والمزايا؛ التي تكفل بقاءها، وتحافظ على نقائها، وتضمن سعادتها، وتنظم مسيرتها.

وكانت عناية الإسلام بالأسرة من أول خطوة يخطوها من يريد الاقتران بالآخر على كتاب الله وسنة رسوله r، فقد أرشد كلا الطرفين إلى حسن الاختيار الذي يتخطى المظاهر إلى المخابر، والجمال الظاهري إلى الجمال الجوهري؛ فعن أبي هريرة t عن النبي r قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» [رواه البخاري ومسلم]. وعن أبي حاتم المزني t قال: قال رسول الله r: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد» قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه» ثلاث مرات [رواه الترمذي].
بل حض الإسلام على التزوج بالمرأة الولود؛ لإكثار نسل المسلمين، وتقوية شوكة المؤمنين، وإقامة الشريعة؛ فعن معقل بن يسار t قال: جاء رجل إلى النبي r، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم» [رواه أبو داود والنسائي]. ورغب في التيسير في المهور ونهى عن المغالاة فيها؛ فعن عقبة بن عامر t قال: قال رسول الله r : «خير الصداق أيسره» [رواه الحاكم والبيهقي]. وقال عمر t: «لا تغلوا صدق النساء؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى في الآخرة؛ لكان أولاكم بها النبي r؛ ما أنكح شيئا من بناته ولا نسائه فوق اثنتي عشرة أوقية» -أي أربعمائة وثمانين درهما- [رواه أحمد].
ومن عناية الإسلام بالأسرة: أنه حدد حق كل من الزوجين على الآخر وواجبه تجاهه، وأمر برعاية هذه الحقوق، ونهى عن التفريط فيها، ورتب العقوبة الدنيوية والأخروية على من يتخلى عنها أو يتهاون فيها، فمن الحقوق التي وضعها الشرع الحنيف للزوج على زوجته: طاعته بالمعروف من غير عصيان، ما لم يأمرها بمعصية؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ قال الله تعالى: ) الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا( [النساء:34] ووعد الزوجة بالعاقبة الطيبة إذا هي أطاعت زوجها بالمعروف؛ فعن الحصين بن محصن أن عمة له أتت النبي r في حاجة، ففرغت من حاجتها، فقال لها النبي r: «أذات زوج أنت؟» قالت: نعم، قال: «كيف أنت له؟» قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، قال: «فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك» [رواه أحمد والنسائي في الكبرى]. وعن عبد الرحمن بن عوف t قال: قال رسول الله r: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها؛ قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت» [رواه أحمد].
ومن حق الزوج على زوجته: حفظ عرضه وماله، وإكرام أهله وعياله، قال سبحانه وتعالى: )فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ( وعن أبي هريرة t عن النبي r قال: سئل النبي r: أي النساء خير؟ قال: «التي تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها ولا في ماله» [رواه أحمد والنسائي].
ومن حق الزوج على زوجته: تدبير شؤون البيت والعناية به؛ لقوله r : «ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته.. والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم» [رواه البخاري ومسلم واللفظ له من حديث ابن عمر رضي الله عنهما].
ولكي تنتظم الحياة الزوجية على أساس من العدل والمساواة في الحقوق والواجبات؛ فقد أوجب الإسلام للزوجة – أيضا- على زوجها حقوقا وألزمه بها، فمن حقوقها عليه:
المعاشرة بالمعروف من غير ظلم ولا هضم، والرفق بها، ومعاملتها بالحسنى؛ قال تبارك وتعالى: )وعاشروهن بالمعروف ( [النساء:19]. وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r : «لا يفرك [يعني: لا يبغض] مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر» [رواه مسلم].
كما أوجب لها الإسلام النفقة الشرعية؛ ففي القرآن الكريم: )وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ( [البقرة:233]. وفي السنة الشريفة عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، أو اكتسبت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» [رواه أحمد وأبو داود].
جعل الله بيوتنا بيوت صلاح وفلاح، وأصلح ذرياتنا ونياتنا، وأصلح أزواجنا، وجعلنا من عباده الأخيار.
إن من أهم وظائف الأسرة المسلمة تربية النشء على الدين والقيم والأخلاق، وقد عني الإسلام بذلك عناية شديدة؛ فربيت في ظلاله أجيال، وخرجت رجال، وبنيت أمجاد وحضارات، ولا غرابة؛ فإن الإسلام دين عظيم يربي الأفراد والمجتمعات، ويبني الأمم والحضارات، ويغرس في نفوس أتباعه حب الخير، والشغف بالقيم والمكرمات.
وقد أمر بتنشئة الأولاد تنشئة مستقيمة تقوم على سلامة العقيدة، وصدق التعبد، وحسن الخلق والتعامل؛ فالوالدان راعيان في أولادهما وهما مسؤولان عن رعيتهما في الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون( [التحريم:6].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم» [رواه البخاري ومسلم].
وكلف أولياء الأمور حث أولادهم على الصلاة منذ الصغر؛ ليتعلموها ويعتادوها في الكبر، وحث الفتيات على التزام الحجاب والحشمة؛ فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» [رواه أحمد وأبو داود]. فما أجمل التربية والتعليم إذا اجتمعا!!، ولقد أحسن من قال:
ربوا البنين مع التعليم تربية يمسي بها ناطق الأخلاق مكتملا
إن قام للحرث رد الأرض ممرعة أو قام للحرب دك السهل والجبلا
إنا لمن أمة في عهد نهضتها بالسيف والعلم قبلا أنشأت دولا
كما أوجب الإسلام القسط بين البنين والبنات، وألزم بالعدل بين الزوجات؛ لئلا يهدر حق أحد، ولكيلا تسود الضغائن والأحقاد، التي تنخر بنيان الأسرة، وتقطع روابطها، وتفصم عراها؛ عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله r، فانطلق أبي إلى النبي r ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله r : «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» قال: لا، قال: «اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم» ، فرجع أبي، فرد تلك الصدقة [رواه البخاري ومسلم]. وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «من كانت له امرأتان، يميل مع إحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» [رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة].
وكذلك فإن الإسلام وضع للأسرة أحكاما تتعلق بتنظيم شؤونها: من الزواج والطلاق والتربية والتعليم، والوصايا والمواريث، ونحو ذلك، وأمر أعضاء الأسرة الواحدة بالتعاون على البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، وأن تكون المعاملة بينهم على أساس الاحترام المتبادل، والود الصادق، والمشاعر الفياضة، والأحاسيس النبيلة، والأخلاق الحسنة؛ لتقوم الأسرة على قواعد متينة، وأصول راسخة؛ من المحبة والإيثار والرحمة، والتوافق والانسجام والحكمة، يعطف الكبير على الصغير، ويوقر الصغير الكبير، فمن الكبار العطف والحدب والحنان، ومن الصغار البر والتوقير والعرفان، وكل يقوم بواجبه في ظل الأسرة، ولا يهضم حق أحد فيها، وكل ذلك يضمن إقامة حدود الله تعالى في الأسرة، وإعداد النسل وتربيته، والقيام بالواجبات الشرعية، والالتزام بالفضائل والمستحبات، وتطهير البيت المسلم من المنكرات.
وهكذا ربى الإسلام الأسر، وأنشأ البيوت على الدين والاستقامة؛ فكانت البهجة والراحة والسعادة، فهل من عودة إلى تلك الأصول الراسخة، والينابيع الصافية، والظلال الوارفة، والقيم الشامخة؛ لنعوض ما فقدناه من منهل إسلامنا العذب في تكوين الأسر، وإعمار البيوت، وتربية الأجيال، وصناعة الرجال، وتنشئة النساء أمهات الأبطال؛ إذ وراء كل عظيم امرأة؟!.
فهلموا يا بني قومي فإن الحنين يحدونا إلى إعادة بناء أسر المحبة والتآلف، والتعاون والتكاتف؛ إعزازا لديننا، وبناء لمجتمعنا، وتقدما لأمتنا، ورقيا لأجيالنا، وحفاظا على هويتنا الإسلامية النقية.
اللهم أصلح لنا أزواجنا وذرياتنا، وآمنا في أوطاننا ومجتمعاتنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا.